أسلوب رسائل النور في مخاطبة العصر

 

ان المتأمل في الامور الغيبية الايمانية ينحو به أن ينظر اليها من منظارين:

 

الاول: الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة التي تتسم بالثبات والبقاء مادامت السموات والارض.

الثاني: مدارك الانسان العقلية وعمق تصوره وسعة تخيله المتّسمة بالتغير والاختلاف والتباين من فرد الى فرد ومن جيل الى جيل.

 

ولا جرم ان التصديق بالامور الغيبية لا يتم أو لا تتكامل عناصره بالاكتفاء بعرض نصوص الاول وحده، أو بالاعتماد على الثاني وحده، إذ إن مهمة بعث الايمان -ولاسيما في هذا العصر -لايكفيه عرض الآيات الكريمةوسردها آية آية، وايراد الاحاديث الشريفة حديثاً حديثاً من غير تنوير عقلي وإدراك انساني متناسب مع قدراته، كما ان مدارك الانسان وقدراته العقلية وسعة أفقه لاتكفي اساساً لبناء ايماني متين من غير تبصير قلبي وانبعاث روحي واستلهام وجداني من الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة.

وعلى هذا ، فان التصديق بالامور الغيبية الايمانية قوامه: الهداية الربانية والتنوير القرآني المقرون بتطويع الانسان لما يمتلكه من قدرات ومدارك-محدودة في اوسع مستوياتها- لتلقي تلك الاستلهامات الايمانية من الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة.

زدعلى ذلك هناك حاجة الفطرة الى الايمان التي تفصح عن شدة إلحاحها كلما ضعفت ركائز الايمان في 

القلوب،هذه الحاجة الانسانية ايضاً ليست ثابتة على مر العصور، بل هي متغيرة تبعاً لتغيّر الانسان.

ومماسبق نرى مصداق قول الرسول "ص" في عناية الله الشاملة على البشرية في بعثة مَن يجدد أمر دينها كل مائة سنة من الزمان.

وربما يرد سؤال: ما الحكمة في تجديد الدين؟ وما الحكمة في تسلسل المجددين وتواترهم؟ أليس الاسلام قد اكتمل؟

إن التفكير في هذا الامر يجعلنا نربط بين تجديد أمر الدين - وهو مكتمل أبداً- وبين الحاجة الانسانية اليه، وهو أمر مرتبط ضمناً بتغير الانسان في مداركه وتصوره وخياله..فلابد اذن من إستثمار قدراته ومداركه المتسعة لتعميق الجذور الايمانية فيه وايقاظ نعمة الاذعان الايماني في فطرته طالما ان معين الايمان لاينضب، فهو منهل ابدي يشبع نهم المؤمن الى المعرفة مادامت الحكمة ضالته.

ومن هنا كان المجددون ممثلي عصرهم، مرشدي انسان عصرهم الى مناهل الايمان والى ارتشاف نسغ الحياة من روح الايات الكريمة ورحيق الاحاديث الشريفة ليجدوا لذة الايمان أنّى كانوا وكيفما كانوا. وعلى ذلك استحقوا تسمية :" ورثة الانبياء".

فالمجدد لأمر الدين يهبه الله سبحانه رؤية واضحة شاملة، وبصيرة نفاذة، وقدرة على سبر غور الآيات والاحاديث، لينهض في اداء الرسالة والتبليغ بها، حتى كأنه مندوب لهذه الامة منذ نشأته وحتى مماته. فإذا بحياته سجل حافل ينقل صورة عصره رتصويبه لزلاّت معاصريه، ويفتح امامهم سبل الاستهداء والاسترشاد.

وبديع الزمان سعيد النورسي قد افاض الله على قلبه من نور القرآن الكريم ماجعله يدخل عالم الايمان والغيبيات بثبات وإقدام، في عصر طغت فيه قوى المادية، فأسدلت غشاوة على الابصار والبصائر، فلم تعد ترى العقبى ، وبدت الغيبيات شاحبة باهتة خافتة تنتظر من يجلوها ببريق الايمان، فما فتئ النورسي يجول ويصول في هذه الساحة متزوداً بنور الهداية الربانية وماحباه الله من قدرات فائقة في استيعاب ماوصل اليه عصره وماوصلت الى عصره من علوم، وما تفتحت امامه من افاق الحاجة الانسانية في عصره، حتى وجدناه في رسائله - رسائل النور- وفي تربيته لطلابه مثالاً للمجدد المقتدي بالرسول الكريم "ص" والمقتفي خطوات الهداية في نور القرآ ن المبين.

ولعل العناية الالهية شاءت ان تغرس في النورسي بصيرة نفاذة وقدرة عجيبة في دمج العلوم العقلية الحديثة والعلوم النقلية الشرعية، فكأنه ينهل من جذور المعرفة لا من فروعها. إذ يقدم حلولاً وارشادات في اعقد الامور الحياتية والايمانية والغيبية في بلاغة رائقة واسلوب رشيق تأنس به العقول وتطمئن به القلوب، فتجد فيه ضالتها ومنفذ خلاصها من دون ان يكدّر شيئاً على صفو الافهام او يغرقها في الفروع دون الاصول.

ولكي يكون اسلوبه جامعاً لجماح العقول وشرود القلوب فقد اودع الله فيه قدرة على الاستشهاد بـ"الامثلة" المقنعة القريبة من العقل والقلب معاً، ومنحه قوة المنطق الفطري والبرهان العقلي والادلة المقنعة واقامة الحجج القوية في معالجته الامور الغيبية الايمانية، لذا يجد قارئ الرسائل متعة جديدة كلما أعاد قراءتها، بما ينكشف امامه من افاق ايمانية احتجبت عنه في مطالعته الاولى.

والله نسأل ان يرزقنا الانتفاع بعلوم الايمان، ويهب لنا من رحمته الاخلاص في القول والعمل.

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.


İçeriğin Türü:
Eserleri